EP34: The Problem of Existence in Islamic Philosophy أشكالية الوجود فى الفلسفة الاسلامية

EP34: The Problem of Existence in Islamic Philosophy أشكالية الوجود فى الفلسفة الاسلامية

تخيل انك واقف فى ساحة جامع قرطبة الرحبة، الزخارف القرمزية بتغطى اعمدة البهو الرخام، والارضية المرمر بتنعكس عليها اضواء النهار فى تناغم سرمدى بديع! بتتجول بين أروقة المسجد واصوات البلابل والعصافير بتنشد لحن بديع عزب بتغمر وجدانك! بتتأمل أقواس البهو الهندسية مستوية فوق الاعمدة فى الاروقة على شكل حدوة فرس .. بتسمع صوت حوار بين مجموعة من الرجال بيتردد من بعيد فى صحن المسجد، بتعبر القنوات اللى بتحمل المياة لسقايات المسجد، قبل ما تلمح عينك واجهة محراب المسجد بترصعها اية (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) .. بتلمح حكيم قرطبة الفيلسوف والطبيب والفقية وقاضى الاندلس أبو الوليد محمد ابن رشد قاعد على شلتة كبيرة ومتأكى بدراعة على صف من الكتب، بيستمع لرجل جالس قبالة، بتلف بسرعة من وراء اعمدة الاروقة علشان تكون فى زاوية رؤية افضل تقدر تشوف منها الشخص الاخر، هتشوف على الجانب الاخر المقابل لأبن رشد حجة الاسلام الامام أبو حامد محمد الغزالى، قاعد على شلتة كبيرة وبين ايدية لفائف ورقية صفراء، خط على جانبها “تهافت الفلاسفة” .. هتسمعة بيقول “يا أبا حامد، والله ما دفعنى الى تأليف هذا الكتاب اننى رأيت طائفة يعتقدون فى أنفسهم التميز عن الاتراب، والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، وقد رفضوا وظائف الاسلام، واستحقروا شعائر الدين واستهانوا بتعبدات الشرع وحدودة بفنون من الطنون يتبعون فى رهطا يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ولا مستند لضلالهم الا تقليد سماعى وان مصدر ضلالهم سمعاهم اسماء هائلة كسقراط وأفلاطون، وارسطو وامثالهم فلما رأيت هذا العرق من الحماقة انتدبت لتحرير هذا الكتاب” .. هتبص لحكيم قرطبة وهو بيعتدل فى مجلسة وبيهذب شعر لحيتة بأيدة، وبيسحب مجموعة من اللفافات الورقية من جانبة وبيضعها امامة مكتوب جانبها “تهافت التهافت“، قبل ما يقول “يا أباحامد ما كان لكتابك تهافت الفلاسفة من آثار على أذهان الناس جعلهم ينقسمون لفريقين بين رافض مهاجم للفلسفة ومحب متعلق بها! لذا كان الغرض من قولنا فى تهافت التهافت ان نبين مراتب الاقاويل المثبتة فى كتابك فى الاقناع والتصديق وقصور أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان. و والله اقوايل الاوائل من أمثال أرسطو وافلاطون التى اشرت اليها لأنها اقوايل الصدق واليقين البرهانية الجدلية، اما اقواليك لهى أقوايل السفسطائية، الخطابية، الشعرية! .. هتشوف ملامح الضجر على وجهة حجة الاسلام، اللى هيعتدل فى وضع تحفز ويقول “والله ان اقوايل الفلاسفة ماهى الا الكفر والضلال، أما الحق والشرع جانب قولنا بأذن الله، الم تسمع يا أبا الوليد بما قالوا عن قدم العالم، وإنة يستحيل صدور حادث عن قديم مطلق، وهو والله لضلال مبين، بما ينكرون على من يقول إن العالم حدث بإرادة قديمة أقتضت وجودة فى الاوان الذى وجد فية؟ وأن يستمر العدم الى الغاية التى استمر عليها، وأن يبتدأ الوجود من حيث ابتدأ،  وان الوجود قبلة لم يكن مرادا فلم يحدث، وإنه فى وقتة الذى حدث فيه مراد بالارادة القديمة قد حدث، فما المانع لهذا الاعتقاد؟ وما المحيل له؟ .. هتسمع ابن رشد بيقول “يا أبا حامد، الحادث موجب أو مسبب .. واستحال وجود موجب قد تم شرائط ايجابة واسبابة واركانة، ثم يتأخر! ثم ان الارادة هى قوة فيها امكان فعل احد المتقابلين على السواء، فهى ارادة الفاعل الى فعل اذا فعلة كف الشوق وحصل المراد. اما الارادة الازلية فلاترتفع بحضور المراد” .. هيرد الغزالى “وهل تعرف استحالة ارادة قديمة متعلقة باحداث شئ بالعقل ام بالضرورة؟ ان ادعيت معرفتها بالعقل يا ابا الوليد فأتنى ببرهانك! وان قلت بالضرورة فكيف لم أشاركك فى معرفتك؟ ومخالفيك فى الامر كثر والله!” .. هيبتسم ابن رشد ويقول “تلك هى ركاكة الاقناع وضعف الحجة التى اشرت اليه فى مقدمتى يا ابا حامد، ليس كل ماهو مدرك بمعرفة اولية ضرورية يعترف به جميع الناس، لانه ليس من شروط المعروف بنفسة ان يعترف به جميع الناس، انه ليس اكثر من كونة مشهورا ولا يلزم ماكان مشهورا ان يكون معروفا بنفسة، والفلاسفة لم بدعوا امتناع تراخى المفعول عن الفاعل دون برهان، أنتم الاشعرية هم الذين لا برهان لديهم عن تراخى المفعول عن الفاعل!” .. هيرد الامام الغزالى بسرعة ” يا أبا الوليد جانب الحق! إنهم يجوزون وجوب أسباب لا نهاية لها، فيلزم عنة وجود مسبب من غير سبب، ومتحرك من غير محرك!” .. هيرد ابن رشد “صدقت فى امر واخطأت فى امر يا اباحامد .. صدقت حين قلت ان كل ما خارج النفس او فى النفس بالفعل له مبدأ ونهاية، اما ماكان موجودا بالقوة اى ليس له مبدأ ونهاية لايصدق علية انه ابتدأ او انقضى، ولما كان الله محركا ازليا لا ابتداء لوجودة ولا انتهاء، كان فعلة غير متراخٍ عن وجودة ولزم ان لا يكون لفعلة مبدأ” .. هيعترض الامام الغزالى ويقول “يقولون يستحيل تقدم الله على العالم بالزمان لان الزمان مقدار الحركة، والحركة تحتاج لمحرك كى توجد، ونقول إن الزمان حادث مخلوق وليس قبلة زمان أصلا ويعنى قولنا إن الله متقدم على العالم والزمان، أنه كان ولاعالم ولازمان، قم كان الله ومعه عالم وزمان! ” .. هتشوف ابن رشد بيهز رأسة بالنفى ويقول “أخطأوا واخطأت يا ابا حامد لقة تحصيلكم مذهب القدماء، الوجود اما متحرك لا ينفك عن الزمان معلوم بالحس والعقل، واما وجود ليس من طبيعتة الحركة، وهذا ازلى لا يتصف بالزمان، اذن وجب تقدم أحد الموجودين اى الله على العالم لكنه ليس تقدما زمانيا ولاتقدم العلة على المعلول لانهما من طبيعة الموجود المتحرك، فالتقدم لا بالذات ولا بالزمان، لكنه تقدم ثالث” .. هتلاحظ ان الامام الغزالى بدأ يتملل فى جلستة، هيعتدل مرة تانية ويقول “يقولون ان لكل حادث لابد من مادة تسبقة لا يستغنى عنها، والإمكان يستدعى شيئا يقوم به وهو المحل القابل للشئ الممكن، والمادة غير حادثة لانها لو كانت حادثة لأحتاجب الى مادة وتسلسل الامر الى غير نهاية! .. ونقول ان الامكان يرجع الى قضاء العقل، وكل ما قدر العقل وجودة ولم يمتنع سميناة ممكناً، وأذا امتنع سميناة مستحيلاً، وإن لم يقدر على تقدير عدمة سميناة واجباً! هذة قضايا عقلية لاتحتاج الى موجود حتى تجعل وصفا له” .. هيرد قاضى قرطبة “لا يا أبا حامد هذا والله قولا سفسطائيا، الامكان يستدعى شيئا او مادة موجودة، والممتنع كالممكن لابد له من موضوع، ورد الامكان لقضاء العقل محال، فالاقتناع وصف إضافى يستدعى موجودا يضاف اليه، وكون السواد فى نفسة ممكنا لانه اذا اخذ مجردا دون محل يحلة كان ممتنعا لا ممكنا، انما يصير ممكنا اذا قدر له هيئة فى جسم” .. هيحاول يرد الامام الغزالى،لكنه هيقاطعة ابن رشد ويقول “لقد اتفقتم يا أبا حامد انتم متكلمى الاشاعرة والفلاسفة على وجود الله الذى لم يوجد عن شئ ولا من شئ بدون علة ولا مادة او زمان، ووجود الاجسام التى ندركها بالحس والعقل واسميموها محدثاً، لكنكم اختلفتم فى تسمية الواسطة بين هذين الموجودين،العالم الذى اوجدة الله، اخذ شبها من الوجود الكائن الحادث ومن الوجود القديم، وهو الله لا محدثا حقيقا ولا قديما حقيقا!” .. هتسمع صوت نداء الاذان بتردد من مآذنة المسجد، قبل ما يقوم قاضى قرطبة من مجلسة ويدعو حجة الاسلام “هلم بنا يا أبا حامد وجبت صلاة العصر”!

ibn_zuhr_01_0.jpg

محاور

طبيعة الوجود، تركيب الوجود، نظام الوجود، أزلية الوجود

مسألة طبيعة الوجود

لا توجد قضية محورية فى الفلسفة الاسلامية خصوصا فى دراسة ما وراء الطبيعة اهم من قضية الوجود والماهية! على مدار 11 قرن فلاسفة المسلمين، المتكلمين، وبعض زهداء الصوفية أهتموا بدراسة موضوع الوجود والماهية وطوروا بناء على دراستهم لمفهوم الوجود رؤية وجودية وكونية world view سيطرت على الفكر الاسلامى وتركت أثرعميق فى الفلسفة اليهودية والمسيحية. ومش هنكون بنبالغ لو قلنا ان الفلسفة الاسلامية تاريخيا هى المدرسة الفلسفية الاهم اللى ركزت على التفريق ما بين مفهوم الوجود والماهية، فى محاولة لفهم المبادئ الاساسية دى، والفرق او العلاقة ما بينهم، كأساس واعمدة رئيسية بنيت فوقها باقى أفكار المدرسة! من المهم هنا اننا نعترف ان مدرسة ماوراء الطبيعة الاسلامية رفعت الموجود المطلق Absolute فوق كل الحدود، حتى فوق المبادئ الوجودية Ontological Principles نفسها. الموجود السماوى Divine Essence او الذات العليا تقف فوق كل شئ حتى مفهوم الوجود نفسة، لكن بالرغم من ادراك فلاسفة ماوراء الطبيعة الاسلامية لطبيعة الموجود العلوى المتعالية على كل المبادئ والقوانين الوجودية Supra-ontological الا انهم بحثوا فى عمق فى قضية طبيعة الوجود ومفهومة! ومافيش شك تأثر فلاسفة المسلمين فى دراسة قضية الوجود بالفلسفة الاغريقية Greek Philosophy خصوصا أرسطوطاليس Aristotle، الفرابى ديونة الاغريقية عديدة فى مناقشاتة لمفهوم الوجود والماهية، الا ان الطريقة اللى عرض بيها القضية هو ومن بعدة ابن سينا اللى عادة ما بيطلق علية فى ادبيات الفلسفة “فيلسوف الوجود Philosopher of being” انبثقت من زواية الوحى السماوى فى الفكر الاسلامى. النص الالهى فى العقيدة الاسلامية “القرآن” بيقول بوضوح فى سورة يس أية 82 (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .. ده غير المواضع العديدة اللى بيتكلم فيها النص عن عملية خلق الكون، ونهاية الكون، ومن هنا اصبح مفهوم العالم او الكون غير متطابق مع مفهوم الوجود فى عقول فلاسفة ومتكلمي الاسلام الاوائل. الاهم ان فكرة سلسة او مراتب الوجود Chain of being مش مجرد وصلة تنازلية زى ما ارسطوطال Aristotle او أفلاطون Plato  أشار.

فى وجهة النظر الاسلامية الوجود بينتهى اتصالة عند الموجود الاعلى اللى حسب الرؤية الاسلامية الوجودية الله خالق الوجود وليس جزء من الوجود نفسة، الفكرة دى لعبت دور مهم جدا فى تطور الفلسفة الاسلامية! المعلم الثانى فيلسوف الاسلام الفرابى فى عملة الخالد “فصوص الحكمة” فرق بوضوح مابين الوجود اللى بيه الشئ يبجسد ويصبح له تمثيل actualization و الماهية. ابن سينا اتأثر جدا بالفرابى وجعل التفريق ده حجر الاساس فى فلسفة ماوراء الطبيعة اللى ناقشها فى أعمالة “الشفاء” ، “النجاة” واخيرا اخر اهم الاعمال الفلسفية اللى قدمها “الاشارات والتنبيهات“، فخر الدين الرازى بالرغم من كونة متخصص فى العلوم الدينية الا انه اهتم بمسألة الوجود والماهية وناقشها فى أعمالة، أما شهاب الدين السهروردى مؤسس مدرسة الاشراق بنى فلسفة ماوراء طبيعة قائمة على فكرة الوجود والفرق بينه وبين الماهية. بعد قرن كامل من الزمان نصر الدين الطوسى كان مازال بيبحث فى طبيعة الوجود. واخيرا فى عصر نهضة الفلسفة الاسلامية فى منطقة فارس المدرسة الصفوية Safavid أسست الطريق للى اصبح بيعرف فى الوقت الحالى “مدرسة أصفهان” اللى قامت أعمدتها على محور سؤال الوجود واللى انتمى اليها خاتمى حكماء الشيعة صدر الدين الشيرازى “ملا صدرا” اللى فى عملة المعقد “الاسفار الاربعه” قدم واحدة من اكثر الاطروحات تفصيلا لفكرة وطبيعة الوجود فى الفلسفة الاسلامية، اللى ادى لرفض معاصرية له و لأفكارة وتكفيرة وطردة خارج قريتة .. (لكن ده موضوع لحلقة تانية)!

زى ما انت شايف فكرة الوجود والماهية اصلية فى الفلسفة الاسلامية وظلت فكرة مسيطرة ومؤثرة فى الفلسفة الاسلامية مع اختلاف الفلاسفة، المراحل، والفترات الزمنية! التفريق ما بين الوجود والماهية بيبدأ فى الفلسفة الاسلامية بمحاولة الفرد فهم طبيعة الواقع المحيط بيه Nature of Reality فى محاولة البحث دى بيبدأ بسؤالين (1) هل هو Is it?  (2) ما هو؟ What is it?  .. اجابة السؤال الاول متعلقة بالوجود ونقضية العدم Nonexistence اما اجابة السؤال التانى متعلقة بالماهية. عادة فى الفلسفة الاسلامية ما بيتم تعريف المصطلحات بدقة لكن فى حالة الوجود تقريبا مستحيل تعريفة طبقا للمعنى المنطقى لفكرة التعريف .. تعريف الشئ طبقا لنوعة او جنسة او اختلافة عن شئ اخر. بمعنى ان كل مجهول unknown معرف بمعلوم known .. لكن ما فيش اى شئ معروف كونيا زى “الوجود”  وبالتالى ما فيش اى شئ اخر من الممكن تعريف الوجود عن طريقة، حتى الاطفال الرضع بالفطرة بيعرفوا الفرق مابين الوجود ونقيضة، لما بيبكوا فى حالة الجوع وانعدام وجود اللبن، البكاء هنا تعبير عن عدم وجود اللبن، وبمجرد وجود اللبن بيتوقفوا عن البكاء! ومن هنا بدل من تعريف الوجود، لجأ فلاسفة الاسلام لتعريف الوجود عن طريق اللجوء اطروحات على شاكلة ” ان الوجود هو اللى بموجبة من الممكن اعطاء معرفة عن الشئ” او “الوجود هو مصدر جميه الآثار” . اما بالنسبة للماهية من الممكن تعريفها بوضوح ودقة على انها بتقدم الاجابة لسؤال “ماهو What is it? ” لكن مع التطور فى الفلسفة الاسلامية تم التفريق ما بين المفهوم الخاص للماهية  اللى هو مجرد الاجابة على سؤال ماهو  .. والمفهوم العام للماهية اللى من خلالها الشئ بيصبح نفسة.  فى المفهوم العام الماهية بتشتق من جملة “مابه هو هو” اى ايه هو جوهر حقيقة  الشئ. كلمة الوجود فى الفلسفة الاسلامية من غير الصحيح ترجمتها ببساطة لكلمة existence فى اللغة الانجليزية. لكنها بتعنى الاربع مصطلحات الانجليزية دى Being, being, Existence, existence اللى كل منها له معنى فى الفلسفة الاسلامية! مصطلح Being  (بالحرف الكبير B) بيشير الوجود الحتمى أو الضرورى Absolute or Necessary Being بصور أخرى الشئ واجب الوجود. اما مصطلح being فهو مصطلح كونى عام بيشمل كل مستويات الواقع بما فى ذلك المخلوقات وواجبات الوجود. مصطلح Existence (بالحرف الكبير E) بيعبر عن انبثاق من النقاء او واجب الوجود.. واللى احيانا بيعبر عنه فى الفلسفة الاسلامية بفكرة ” الفيض الاقدس Sacred Effusion” فى حين ان مصطلح existence بيعبر عن واقع كل الاشياء باثتثناء واجب الوجود. يعن حرفيا “الله موجود” لكن فى الانجليزية “God is, but He cannot be said to exist” لان كلمة existence مشتقة من الكلمة اللاتينية ex-sistere اللى بتعنى صناعة من مادة الواقع. ومن هنا بنشوف ان مصطلحات الفلسفة الاسلامية الغنية جدا رسمت بوضوح الفرق ما بين كل المعانى دى فى كلمة واحدة وهى كلمة الوجود .. اما فى مصطلح واحد زى “existence” ما يقدرش يعبر بشكل صيح عن كل المقاصد والمعانى المشتملة عليها كلمة “الوجود” العربية. فى الفلسفة الارسطوطالية العالم من غير الممكن انه يكون وجد، لانه وحدة وجودية (هى الوجود نفسه) من غير الممكن او المعقول تقسيمها لوحدات اقل، وبالتالى التفريق بين الوجود والماهية مش هيضيف اى معرفة جديدة. على العكس فى الفلسفة الاسلامية، العالم او الكون مش مجرد مرادف لكملة الوجود، بصيغة تانية فى فقر وجودى Ontological Poverty فى العالم من ناحية ان الوجود معطى من الله الحقيقة الثابتة الوحيدة، كل موجود اخر لما فى ذلك العالم نفسة بيدخل حيز الوجود ثم العدم! ومن هنا التفريق الاصطلاحى ما بين الوجود والماهية اكتسب اهمية كبيرة، اهم من مجرد التبعيات اللى هتترتب على الفرق ده، انه اصبح حجر الزاوية فى فهم طبيعة الواقع Nature of Reality. طبقا للفلسفة الاسلامية التقليديه العقل Intellect قادر على التفريق بوضوح ما بين وجود وماهية اى شئ، لما بُيطرح سؤال “ماهذا؟” على اى فرد، الاجابة على السؤال بالتأكيد بتكون مستقلة عن ان كان الشئ ده له وجود ولا لأ. وده معناة ان العقل قادر على ادراك جوهر Essence الشئ. اداركك لماهية “انسان” فكرة مستقلة تمام عن ان كان الانسان ده موجود ولا لأ. مش بس كده لكن الماهية كمان بتستبعد فكرة الوجود تمام من عناصر تعريف ماهية الكائن، اى ان الوجود مش مقوم من مقومات الماهية، تعريف ماهية الشئ ما بيتطلبش او يتضمن ضرورة وجود الكائن ده، الفكرتين مستقلتين تماما بالظبط زى مسببتها. سبب الماهية هو العناصر الل بتكون جنس او نوع الشئ وتميزة عن غيرة من الاشياء الاخرى، اما سبب وجود اى موجود ما هى علتة الفاعلة Efficient Causeوعلتة النهائية Final Cause. ابن سينا وكتير من تلامذتة درسوا الكائنات والموجودات من زوايتين مختلفتين، زاوية الوجود ، وزاوية الماهية، وده اللى دفع بعض منهم لأطلاق مصطلح “الزوج التركيبى Combined Pairs” على الموجودات فى بعض رسائلهم الفلسفية. التفريق ده ادى اللى تطور دراسات ماوراء الطبيعة الاسلامية للبحث اعمق فى طبيعة الوجود ومصدرة.

واحدة من الأشكاليات اللى انشغل بيها تلاميذ واتباع “الشيخ الرئيس ابن سينا” كانت “هل الوجود حدث عرض يحدث للماهية ام لا؟ ابن رشد، فخر الدين الرازى وبعض الفلاسفة الاخرون اعتقدوا ان ابن سينا شاف ان الوجود عرض بيحصل لماهية او جوهر الكائن بُناء على اطروحاتة فى عملة الخالد “الشفاء” .. علشان تقدر تفهم الطرح ده فكر فى المثال ده تخيل ان قدامك لوح خشب مالوش اى لون، الخشب فى الحالة دى هو الماهية او الجوهر، قررت انك تدهن لوح الخشب ده باللون الاخضر مثلا، فى الحالة دى اللون الاخضر حدث عرض خارجى حصل لماهية او جوهر الخشب! المشكلة ان لو فعلا الوجود عرض بيحصل لجوهر الشئ مجموعة من المشاكل الوجودية هتظهر، منها مثلا فى اى مكان و زمان بيحصل عرض الوجود للماهية، وعلى اى صورة بتكون ماهية الكائن قبل حدوث عرض الوجود له، لو كانت الماهية موجودة بالفعل لابد اذا ان حدث الوجود حصلها من قبل، و هكذا فى متناهية تراجعية الى الابد، ولو كانت الماهية غيرموجودة nonexistent ازاى من الممكن انها تكتسب اى خواص من الواقع زى الوجود؟! الاشكالية ان الفهم التقليدى ده لأستخدام ابن سينا لفكرة حدث عرض نتج عن ان ابن سينا نفسة ما وضحش ايه المقصود بمعنى “حدث عرض”  فى كتابة الشفاء .. لكن فى كتابة “التعليقات” وضح ابن سينا قصدة من الحدث العرض بوضوح وانه ما قصدش بيها المعنى التقليدى للحدث العرض ما بين الوجود وماهية او جوهر الكائن، لكن الوجود حدث عرض لماهية الشئ فى حالة خاصة جدا! نصر الدين الطوسى أحد أهم فلاسفة وعلماء الاسلام، اللى صنفة ابن خلدون كأحد أعظم علماء الفرس وضح مقصود ابن سينا من فكرة عرض فى كتابة “شرح الأشارات” وجادل ان جوهر الشئ مستحيل يستقل عن وجودة غير فى العقل. لكن ده مش معناة ان الجوهر او الماهية فى العقل مستقلة عن الوجود! لان الوجود فى العقل، نوع من الوجود فى حد ذاتة وهو “الوجود الذهنى” تمام مثل الوجود فى العالم الخارجى وهو “الوجود الخارجى”. فكرة ابن سينا عن ان الماهية مستقلة عن الوجود فى العقل من المفروض انها تفهم على ان طبيعة العقل قادرة على استيعاب الجوهر والماهية بشكل مستقل عن وجود الشئ، لكن ده مش معناة ان الشئ مالوش وجود او ان ماهيتة مستقلة عن وجودة! العقل قادر على ادراك ماهية الشئ بشكل نقى بدون التفكير فى وجودها فى العالم الخارجى، فكرة الوجود بيتم اضافتها لاحقا خلال عملية التحليل العقلى.

من أهم المفاهيم الاساسية فى الفلسفة الاسلامية هو الفرق مابين الضرورة او الوجوب Necessity، الامكان Contingency of possibility، والامتناع impossibility الفرق ده اللى تم صياغتة للمرة الاولى بشكل واضح على ايد الشيخ الرئيس ابن سينا اللى وضحة فى كتير من اعمالة، الفكرة دى عادة مابيطلق عليها فى الفلسفة الاسلامية “الجهات الثلاثة  The Three Directions” .. وفكرة مهمة واساسية جدا لفهم ماوراء الطبيعة الاسلامية Islamic Metaphysics الفكرة دى اللى تم منها صياغة المصطلح الفلسفى “واجب الوجود Necessary Bing” المرادف لمصطلح الله واللى اسُتخدم لقرون بواسطة علماء الدين، الصوفيين، والقضاة. لو الفرد فكر فى ماهية الكائن فى حواية العقل واحد من ثلاث شروط لابد وانه يكون صحيح (1) اما ان الكائن موجود او غير موجود، وبالتالى مافيش اى تناقض منطقى (2) لابد وان الكائن يكون موجود لانها لو غير موجود هيتبع ذلك تناقض منطقى (3) او ان الكائن غير موجود لانة لو موجود هيبع ذلك تناقض منطقى. الحالة الاولى بيطلق عليها “الممكن”، الحالة الثانية بيطلق عليها “الواجب”، والحالة الثالثة بيطلق عليها “الممتنع”. تقريبا كل الماهيات ممكنة، زى ماهية الانسان، او الجهاز اللى بتسمعنى عليه دلوقتى، او الكرسى اللى انت قاعد عليه دلوقتى. بمجرد اننا ندرك اى من الكائنات دى فى حاوية عقلنا مافيش اى تناقض منطقى سواء كان ليها وجود ولا لأ لانها كائنات ممكنة، كل شئ موجود بيقع فى دائرة الكائنات الممكنة الوجود بما فى ذلك الكون نفسة باستثناء الله ! علشان كده بنطلق على العالم “عالم الممكنات World of contingencies”  .. العقل قادر على ادراك ماهية كائن افتراض وجودة فى الواقع هيتضمن على تناقض منطقى Logical Contradiction، المثال اللى عادة ما بيضرب فى ادبيات الفلسفة الاسلامية التقليدية لتوضيح الفكرة دى هو “شريك لله فى الملك” .. مثال تانى هو ان عقلك قادر على تصور كمية ما اكبر من مجموع اجزائها، الطرح ده من المستحيل انه يحصل فى الواقع لكن عقلك قادر على تصورة دلوقتى وانت بتسمعنى! وأخيرا العقل قادر على تصور ماهية لابد وانها تكون موجودة، اى ان من غير المنطقى تصورها بدون تصور وجودها، الماهية دى واجبة الوجود! فى مجموعة كبيرة من الجدليات العقلية والاطروحات الفلسفية فى الفلسفة الاسلامية بتحاول تثبت ان من الممكن تصور ماهية واحدة فقط واجبة الوجود فى تناغم من فكرة وحدانية الله فى النص القرآنى. (المجال هنا مش هيتسع لمناقشة الافكار دى .. لكننا هنرجع لها بالتفصيل فى سلسلة حلقات فلسفة الدين) .. لكن الاشكالية المثيرة اللى بتنبثق من فكرة الجهات الثلاثة هو ان لو بعض الوجود ممكن (فى الواقع معظم الوجود ممكن او جائز) اذن هل من الممكن ان الموجود او الكائن يقول ان وجودة نفسة مازال فى طور الامكان، يعنى هل من الجائز انك تقول انك قد تكون موجود او لا؟! الاجابة على السؤال ده كامنة فى التفريق ما بين جوهر الشئ و الصورة الخارجية الموجود عليها فى العالم الخارجى. الشئ اى وكل شئ مشروط الوجود بالله، لكن بمجرد ان اصبح له وجود او اكتسب خاصية الوجود، تطلب وجود قوة واقعية فاعلة Agency of a reality مستقلة عن ذاتة علشان تحقق وجودة فى العالم الواقعى. ومن هنا أصبحت الموجودات Existents “واجبة الوجود بالغير” اى واجبة الوجود بقوة مستقلة عن ذاتها. بصورة اخرى هى موجودات ضرورية الوجود لانها امتلكت خاصية الوجود، لكن الوجود ده مشروط او ممكن فى جوهرها Essence على العكس من الكائنات واجبة الوجود Necessary Being اللى واجبة الوجود فى جوهرها مش من خلال قوة اخرى مستقلة عنها. التفريق ده ما بين الواجب والممكن بيخلى من الممكن تصور كون فى تناغم بديع مع الوصفة الاسلامية الدينية الميتافيزيقية للكون اللى فيها الله وحده بيمتلك قوة الخلق creation والايجاد existentiation، او طبقا للوصف القرآنى “كن فيكون”، اما كل شئ اخر فى الكون فقير من حيث قدرتة عل امتلاك الوجود بنفسة، الموجود الضرورى الوجود فقط هو القادر على اعطاء صفة الوجود للماهيات الاخرى ونقلهم من ظلام عدم الوجود nonexistence لضوء الوجود! ويضفى عليهم صورة ضرورية الوجود بقوتة الفاعلة فى الواقع، لكنها بتبقى موجودات ممكنة الوجود فى جوهرها وذاتها. على اى حال لو اتفقنا على مبدأ ان الكون يحتاج لمسبب أول واجب الوجود وهو الله، السؤال اللى بيطرح نفسة دلوقتى هو كيف تم الخلق؟

نظرية الفيض الافلاطونية Emanationism، الفكرة اللى بتقول ان الكون فاض عن وعاء الموجود الاول وهو الله، او بمعنى اخر ان كل الموجودات مشتقة من الواقع الاول First Reality بدرجات اقل من الواقع الاول، الله الواقع الاول هو المصدر النقى لكل الموجودات الاقل نقائا، المصدر الاول وباقى الموجودات سلسلة متصلة من الوجود، الفكرة اللى بتتعارض مع تصور الخلق Creationism اللى بيفصل ما بين المسبب الاول والموجودات اللى بيسببها!الفيلسوف المصرى أفلوطين Plotinus أحد اهم فلاسفة العالم القديم ويعتبر أبو الفلسفة الافلاطونية الحديثة، أعمالة الميتافيزيقية كانت مصدر الهام عبر العصور لكتير من الوثنيين، المسيحيين، اليهود، المسلميين! نظرية الفيض انتشرت فى العصور القديمة وتبانها أفلوطين كجوهر تصورة لحركة الوجود فى نظريتة عن صدور الاقانيم، أفلوطين شاف ان قوام عالم المعقولات هو الوحدة المتعددة، او الوحدة فى الكثرة، وشاف ان لابد من وضع الواحد المطلق الخالى من كل تمييز او تنوع فوقها. التعدد او الكثرة لايكون أولا، فقبل العدد اثنين توجد الوحدة. ووحدة النظام حقيقة أعل منه وسابقة علية، ومنها يصدر او يفيض التعدد أو عالم المعقول (الاقنوم الثانى) ، أقنوم الواحد كما أطلق علية افلوطين اعلى من عالم المعقول (الاقنوم الثانى) لانه الاول، لكن كي يتحقق النظام فى المادى ويوجد العالم المحسوس لابد من وجود وسيط فاعل ومتحرك بين العقل والمادة. الأقنوم الثالث وهو النفس! لكن لماذا لم يبق الواحد فى عزلتة؟ لماذا فاض عالم المعقول عنه؟ ولماذا فاض أقنوم النفس عن عالم المعقول؟ .. أفلوطين قال «ما أن يبلغ الموجود درجة كماله حتى نراه يلد، إنه لايتحمل أن يبقى في ذاته، وإنما يبدع موجوداً آخر… النار تدفئ، والثلج يبرد،… كل الأشياء، بقدر طاقتها، تحاكي المبدأ في الأبدية والخير». (الفلسفة الافلاطونية موضوع شيق وكبير هنفردة مجموعة حلقات مستقلة فى المستقبل). على اى حال فيلسوف الاسلام الاول الكندى فى رسائلة تبنى نظرية الفيض الافلاطونية لكن بالرغم من استعمالة لكلمة الفيض لتفسير عملية الخلق من وجهة نظر فلسفية الا انه ظل اقرب لروح الدين الاسلامي منه الى أفلوطين وحاول التوفيق بين مفهوم الفيض وفكرة التسلسل التنازلى للأقانيم. وعرف عملية الخلق على انها ابداع “إظهار الشيء عن ليس” وعرف الابداع بأنه “تأييس الأيسات عن ليس” – أيس ضد ليس، الايس هو وجود الشئ والليس هو العدم .. اى ان الله اوجد الموجودات من العدم! او بمعنى تانى خلق الله الكون دون وجود للزمان او المادة،ومن هنا اصبح الله المبدع الاول، ابداعة اصلى فى جوهرة لايحتاج مادة او زمان يشتق منه مصدر ابداعة! الفارابى فى عملة الخالد “آراء أهل المدينة الفاضلة” جادل ان وجود الله يستلزم ضرورة وجود باقى الموجودات التى يتعرف عليها الانسان بحواسة او بعقلة، ووجودها خارج عن ارادتة. وجود العالم ليس سوى فيض عن وجود الله. وتم الفيض دون غاية يقصدها الله وكأنة كان يرتجى الكمال او العظمة لنفسة. لان الله حسب تعريفة موجود كامل لايحتاج لكمال او اثبات عظمة. الفرابى اتفق مع الكندى فى ان الله لايحتاج لاى شئ غير ذاتة لتتم عملية الفيض، وهو فى ذلك بيختلف عن الصانع اللى بيحتاج للمادة، الادوات، والوقت لصناعة الاشياء، النجار محتاج للخشب، المنشار، والوقت لصناعة الكرسى، لكن الله المبدع الاول لايحتاج مادة او زمان. ولايوجد مانع ما بين عملية الفيض سواء من ذات الله او من خارجها، لكنها عملية عاقلة واعية يعقل الله فيها ذاته وطبيعتها الفياضة. ابن سينا كرر أقوال الفرابى فى تفسير عملية الخلق بالفيض وشاف ان العالم صدر عن الوجود الواجب بطريق الفيض، وان الفيض لايتم بهدف او غاية لان هذا دليل نقص، ولا على سبيل الطبيع اى عدم الارادة او المعرفة، بل عن طريق التعقل، فالله عقل محض يعقل ذاتة ومن تعقلة لذاتة يفيض الوجود عنه!

320530_284356391577353_203799022966424_1247537_286788157_n51.jpg

الفرابى وابن سينا شافوا ان عملية الفيض بتتم فى صورة سلسلة مترابطة من الحلقات متتابعة المراتب فى نظام صارم محدد، بتبدأ بالعقل الاول وهو الله او الواقع الاول كما أشار أفلوطين وهو اعلى درجة من درجات الحقيقة والنقاء، منه يفيض العقل الثان، عقل بدون مادة جوهر يعقل ذاتة فيلزم عن ذلك وجود السماء الاولى، ومنه فاض العقل الثالث جوهر غير متجسد، يعقل فيصدر عن وجودة الكواكب، ومنه فاض العقل الرابع جوهر غير متجسد يعقل ذاتة فيلزم عنة وجود كوكب زحل، ومنه فاض العقل الخامس جوهر غير متجسد، يعقل فيلزم عنة وجود كوكب المشتري، وفاض عن عقل كوكب المريخ، اللى فاض عنة وجود الشمس، اللى فاض عنة وجود ككوكب الزهرة، اللى فاض عنة وجود كوكب عطارد، ومنه فاض وجود القمر، اللى بيفيض عنه عقل حادى عشر جوهر غير مادى كسابقية يعقل ذاتة لكن لاينتج عنه مادة او موضوع اصلا، ويعقل العقل الاول. لكل جسم سماوى نفس تحركة، فاضت عن العقل المقابل لها، وهى أشرف من النفس الانسانية او النفس الحيوانية لانها موجودة بالفعل أصلا، وليس لها قوى الاحساس والتخيل، بل القوى العاقلة فقط اللى بتدرك بيها ذاتها. التسلسل ده طرحة الفرابى فى كتابة آراء أهل المدينة الفاضلة الامر اللى اثار عدة تساؤلات منها السؤال اللى اكيد بيدور فى عقلك دولقتى .. وهى ايه هى علة التسلسل ده؟ وليه ماصدرتش جميع العقول والاجرام السماوية عن الله دفعة واحدة؟ وليه ماصدرش عن العقل الحادى عشر عقل اخر وكوكب اخر زى العقول اللى سبقتة؟  .. فى الحقيقة ابن سينا حاول الاجابة على التساؤلات دى فحدد ثلاث اصول لعملية الفيض .. الاول ان واجب الوجود العقل الاول او الله لا يصدر عنه الا جوهر عقلى واحد ليس جسمانيا ولا نفسيا، والثانى ان كل العقول تصدر عن الاصل الاول من خلال وسيط وهو العقل الاول، والثالث ان الاجرام السماوية تصدر عن طريق وسيط هو العقول الفائضة من الله او العقل الاول. الامر اللى معناة ان لابد من استمرار العقول الوسيطة لانها الهدف والغاية لوجود الاجرام السماوية بدونها تصبح عديمة الوجود! ابن سينا برر عدم صدور الكثرة عن الاصل الاول (الله) وان لابد من وجود وسيط لصدور الكثرة وهو العقل الاول، بان صدور الكثرة عن الواحد تقتضى تكثر الجهات فية، ولما ان تكثر الجهات والاعتبارات فى الله ممتنع لانه واحد من كل متعال عن ان يشتمل على حيثيات مختلفة واعتبارات كثيرة، ومن هنا جادل ان يصدر فقط العقل الاول عن الله، وهذا العقل الاول متعدد الجهات والاعتبارات! وهو عقل “ممكن الوجود بذاتة” .. “واجب الوجود بالله” ..  “عاقل لذاتة ولله”. وهكذا تستمر عملية الفيض حتى نصل لفلك القمر وبعدة يصدر عقل لايلزم عنه جرم سماوى، لكن يصدر عنه هيولى العالم الارضى، واللى اطلق علية ابن سينا العقل الفعال.

مسألة تركيب الوجود

فلاسفة الاسلام أعتقدوا زى أرسطو من قبلهم ان الأرض مركز الكون، وان الاجرام السماوية بتدورحولها فى فلك محدد. كمان أعتقدوا ان حركو الاجرام دائرية وهى الحركة الهندسية الاكمل والاسمى، كما ان الاجرام دى لها أزلية المادة الصورة، والحركة، ولها نفوس وعقول زيها زى البشر! أما بالنسبة عناصر المكونة هى العناصر الاربعة النار، الهواء، الماء، والتراب اللى بتشكل الجماد، النبات، الحيوان، والانسان وباقى الموجودات، وكل الموجودات تقوم بمكونين اساسيين المادة والصورة، المادة هى قوام الصورة، زى ما الخشب هو قوام الكرسى اللى انت قاعد علية دلوقتى، لايمكن وجود الكرسى من غير الخشب، بالمادة جوهر الموجود بيتجسد فعليلا فى الواقع، اتحاد الصورة والمادة يصبح هناك وجود للكائن، المادة لاتحتاج الى موضوع اما الصورة تحتاج الى موضوع وبالتالى يصبح لها ضد وحالة عدم، واى شئ من له عدم وضد لايكمن ان يكون دائم الوجود! فلاسفة الاسلام اطلقوا على كوكب الارض والعالم اللى احنا جزء منه عالم الكون و الفساد الارضى، لان القوة النقية اللى انتقلت لنا من الموجود الاعلى عبر وسائط الاجرام السماوية بيحدث فيها أختلال ونقص وبالتالى فساد. الكندى وضح ان الافلاك السماوية بتأثر على عالم الكون والفساد الارضى، وهى علة قريبة لما يحدث فى عالمنا، وحركتها الدائمة بتأثر على عالمنا، عن طريق تكوين حرارة فى العناصر حسب قرب الجرم السماوى من الارض، وساق حجة ان لو الشمس ابتعدت لفترة زمنية عن الارض، كل شئ هيتجمد وانعدمت الحياة على الارض، او لو اقتربت اكثر من المسافة المحددة لأحترق كل شئ، وبنفس الطريقة بيأثر القمر فى كمية الامطار، وحركة الغيوم والرياح، الخ. مش بس كده الكندى كمان شاف ان الاجرام السماوية بتأثر كمان على النفوس الحية، اهل البلاد الحارة تسود اجسماهم لقرب بلادهم من الشمس، وتغل ملامحهم، على العكس من اهل البلاد الباردة تبيض بشرتهم وتصغر ملامحهم! المعلم الثانى الفرابى أعتقد ان المسببات فى الكون ستة أولها السبب الاول هو الموجود الازلى الله، يلية الاجرام السماوية التسعة بنفوسها والمادة الاولى وصورها،ثم العقل الفعال الذى يعتنى بالانسان ليبلغة الكمال، ثم النفس، ثم الصورة التى تشكل الموجود وجوهرة غير المادى، واخيرا الهيولى وهى موضوع الصورة، ابن سينا والفرابى لاحظوا ان الوجود بدأ بأشرف الكائنات الله، فالاقل شرفا حتى أنتهى الى ادنى واخس الموجودات الهيولى، ثم صاعدا من الهيولى الى الاشرف حتى يبلع القوة الناطقة او العقل المستفاد. فى الحقيقة فلاسفة الاسلام زى الكندى، الفرابى، وابن سينا لما اجمعوا على نظرية ان الاجسام مركبة من صورة ومادة متبعين نهج المعلم الاول أرسطو، ماكنوش على جهل بالنظرية اللى بتقول ان الاجسام مركبة من أجزاء صغيرة او ذرات، لكنهم رفضوا الفكرة زى مارفضها ارسطو! ابن سينا فى عملة الفلسفى الخالد “كتاب الشفاء، قسم الالهيات” نقد النظرية وجادل ان كانت فعلا الموجودات بتتكون من جزيئات صغيرة غير حية غير قابلة للأنقسام، ازاى من الممكن انها تندمج مع بعضها علشان تكون موجود ذا عقل .. ابن سينا كمان أنتقد النظرية اللى بتقول ان الموجودات مركبة من جزئيات اصغر قابلة للأنقسام الى ما لانهاية، النظرية اللى نادى بيها ابراهيم النظام أحد كبار متكلمى المعتزلة ومعلم الجاحظ وشيخة، ابن سينا قال ان من الحجة غير قائمة لان من المستحيل تواجد جسم متناة من أجزاء غير متناهية. المتكلمين الاوائل من معتزلة واشاعرة نادوا بان الموجودات كلها مركبة من أجزاء صغيرة سواء قابلة للتجزأ زى الجاحظ والاشعرى او قابلة للتجزأ الى مالانهاية زى ما النظام جادل.  فى الحقيقة الموضوع اكثر تعقيدا من التبسيط ده و أخد عشرات السنين من الجدل .. فمثلا ذهب البعض لان لابد من اجتماع جزئين على الاقل لتكوين الكائن لان أقل التركيبات جزءان زى ما جادل الاسكافى المعتزلى، او ان لابد من ستة أجزاء غير متجزأة لتركيب الكائن، زى ما جادل أبو الهذيل، البعض ذهب لثمانية أجزاء، و فى بعض الحالات ستة وثلاثون جزء! او عدد لانهائى من الاجزاء زى ما النظام جادل. فى الواقع من المثير للأهتمام فى قرائتنا لتاريخ الفلسفة الاسلامية اننا نتعرض للجدليات من النوع ده، بتعقيدها وعمقها، واللى بيخلينا نطرح تساؤل مهم ايه اللى دفع المتكلمين الاوائل انهم يعتقدوا فى ان الكائنات مركبة من اجزاء لاتتجزأ او تتجزأ الى ما لانهاية! الاعتقاد الراجح هنا هو انهم وجدوا ان النظرية فى تناغم مع العقيدة الاسلامية اللى بترسخ فكرة ان لا فاعل فى الكون سوى الموجود الازلى الله. وبالتالى لو كانت الاجسام مركبة من اجزاء اصغر لا تتجزأ اذن لابد من قوة رابطة بينها باستمرار، القوة دى فى اعتقاد المتكلمين هى قوة الموجود الاول الله. بعد مرور مئات السنين على الجدال الساخن بين المعتزلة،الاشاعرة، والفلاسفة المتقدمين عليهم من امثال ابن سينا .. العلم الحديث والمنظومة التجريبية ساعدتنا اننا نشوف مين الطرف اللى كان الصواب او الحق اقرب له، لكن اقتفاء اثار النقاش والجدال العقلى ما بين متكلمين وفلاسفة الاسلام الاوائل، مازالت تجربة مثيرة وبتلقى الضوء على نوع من أنواع الحوار الدائر فى تلك الفترة الزمنية البعيدة!

مسألة نظام الوجود

السببية كانت واحد من المواضيع المهمة فى فلسفة الوجود اللى ركز عليها فلاسفة واباء المتكلمين العرب، لانها عامل جوهرى فى تفسير نظام الكون الدقيق، وطبيعة الاحداث، وان كل حدث بيحدث فى الكون عادة ما بيكون مرتبك بمسبب ضرورى ، ومافيش اى مجال لخرق نظام الكون او الصدفة .. ونحوا فى منحاهم ده تقريبا نفس الطرح اللى ساقة فلاسفة الغرب فى عصر النهضة لكن قبلهم بمئات السنين (أرجع لحلقة أشكالية السببية لو عاوز تعرف أكتر عن مناقشات فلاسفة الغرب لظاهرة السببية) .. على أى حال فلاسفة المسلمين شافوا ان الاقتران ما بين الاسباب والمسببات اللى بنلاحظة فى الكون ناتج عن تلازم بالضرورة، ومن المستحيل ان يوجد السبب من غير المسبب، والعكس صحيح. لكن فى الحقيقة حجة الاسلام الامام ابو حامد الغزالى رفض الطرح ده فى عملة الأهم “تهافت الفلاسفة” وجادل ان التلازم ده مش دائما ضرورى، وضرب امثلة زى مثل الشبع والاكل مش دائما التلازم ضرورى فى حالة ان الانسان شبع لانه أكل. او النور وطلوع الشمس، النور قد ينتج عن مسببات اخرى زى النار، او الشفاء وشرب الدواء .. الخ من الامثلة. الغزالى جادل ان اقتران الاسباب والمسببات بيتم بتقدير من الموجود الاول “الله” لانه بيخلقها فى علاقة تتابعية مش لان لابد ان الاحداث دى ضرورى انها تحصل فى نفسها بمجرد حدوث المسبب! والله قادر على خلق شبع بدون اكل، او نور من غروب الشمس، او حياة مع قطع النفس، الخ. الفاعل الاوحد هو الله. وفعلة نافذ سواء مباشرة او عن طريق واسطة زى الملائكة طبقا للنص القرآنى. اما النار، الاكل، الشمس او الدواء كلها مجرد جماد لا فعل لها. وطرح تساؤل مهم ايه هو دليل الفلاسفة على انها الفاعل الحقيقى والمسبب الضرورى غير مجرد الملاحظة بالنظر؟ فى أعتقاد الغزالى الملاحظة وتكرار تتابع حدوث الحدث غير كافى على اننا نقول ان التلازم ضرورى، وان الاحداث دى هى الفاعلى فى ذاتها! و جادل ان فى لحظة تلاقى الاسباب والمسببات تفيض قوة الفعل من عند واهب الصور الموجود الاعلى “الله”. لكن فيلسوف الاندلس أبو الوليد ابن رشد رفض حجة الغزالى فى كتابة “تهافت التهافت” وجادل ان انكار الاسباب الفاعلة اللى بنلاحظها فى الموجودات مجرد كلام سفسطائى وهيؤدى الى فكرة ان الفعل لا فاعل له، وطرح سؤال مهم: هل الاسباب تفعل بنفسها؟ او تتم أفعالها بسبب اخر من خارجها؟ .. ابن رشد شاف ان كل الاشياء لها ذات وصفات بيفرقها عن باقى الموجودات والا كان كل الموجودات متوحدة فى صورة كائن واحد، واى موجود او كائن عند ابن رشد وفلاسفة ومتكلمى الاسلام له اربعة اسباب زى ما شفنا قبل كده المادة، الصورة، الفاعل، والغاية. ده بالاضافة لوجود شروط ضرورية فى حق المشروط زى مثلا كون التنفس شرط للحياة. والعقل هو القدرة على ادراك الموجودات بأسبابها وده اللى بيمزة عن باقى القوى المدركة، فبدون الاسباب اصبح ما فيش معنى لوجود العقل. واخيرا جادل ابن رشد ان علم المنطق قائم على الاسباب والمسببات والمعرفة لاتستقيم بدون ربط الاسباب والمسببات، و الغائها يبطل المعرفة. الغزالى اعتقد ان الفلاسفة شافوا ان الفاعل او المسبب بيكتسب عادة بتلزمة بتكرار الفعل لا أكثر ولا أقل، الفعل اللى طبعة الفاعل الخارجى فى الموجدات دى. واتفقوا على ان الله بيخلق الموجود وأفعالة بواسطة الفلك والعقل الفعال،وشافوا ان الاحداث بتفيض عن الموجودات باللزوم والطبع ومافيش اى مجال للأختيار، الشمس ما تقدرش تختار ان كان شروقها هيسبب النور ولا لأ، ومن هنا انكروا كتير من المعجزات المذكورة فى النصوص الدينية لانها بتخالف طبيعة الاشياء .. زى مثلا وقوع ابراهيم فى النار مع عدم أحتراقة وبقار النار على نفس صورتها. و بالفهم ده الغزالى رفض فكرة ان الاسباب بتفعل بالطبع دون الاختيار، وجادل ان ده كفر بالارادة والمشيئة الالهية.

ابن رشد رد على الغزالى ان حجة باطلة لان الفلاسفة ما قلوش ان الموجودات فاعلة بالطبع وليس لها اختيار، لكن اقروا ان الموجودات مالهاش اختيار فى الصورة الجوهرية لكن لها اختيار فى افعالها. ده بالاضافة لان الفلاسفة ما اعترضوش على معجزة ابراهيم والنار لانه لا يحق لهم الاعتراض او التكلم فى مبادئ الشرع! ابن رشد كمان جادل ان لو الاحداث ما تبعتش بالضرورة الاسباب بدون تدخل من فاعلها واصبحت جزء من ارادة الفاعل، مش هيكون فى منهج او نظام للكون، تخيل فى عالم بالصورة دى لو مسكت تراب قررت بارادتك ان الفعل ده يحولة لدهب، او لو القيت حجر فى الماء قررت بارادتك ان الماء يتحول لزيت، الخ… فى الحقيقة الامام الغزالى واحد من العقول الفزة اللى انتجتها الحضارة الاسلامية، وأمر زى ده ما كنش غائب عنة، ورد ان ما ادعاش ان الامور دى واجبة الحدوث، لكنها ممكنة، وزى ما شفنا قبل كده فى الحلقات السابقة فى فرق كبير بين الواجب و الممكن! وان الفاعل الاوحد والموجود الضرورى الاول “الله” قادر على احداث الامور دى فى حالة انه اراد حدوث معجزة، زى مثلا فى معجزات موسى، او عيسى فى النصوص التوراة، الانجيل، والقرآن .. كلها استثنائات تمت بارادة الله. الغزالى اقر ان لكل الموجودات خواص ذاتية خاصة بيها، لكنه ما استبعدش تغير الخواص دى بمشيئة الله، فوقتها النار تفقد خاصية الاحراق وتكتسب خاصية البرد وينجو ابراهيم من الحرق، او ان العصا تكتسب خاصية الحياة وتتحول لثعبان! الخ. والسبب فى ده من وجهة نظر حجة الاسلام ان المادة قابلة لجميع الصور، التراب بيتحول لنبات، اللى بيتحول لحيوان، اللى بيتحول لأنسان، اللى بيتحول لتراب مرة تانية، ومش من الصعب على الله انه يدمج مراحل التحول دى دفعة واحدة على ايد نبى فيحول التراب لأنسان مثلا! واكد الغزالى مرة تانية ان فى فرق بين المحال والممكن، المحال غير مقدور علية اطلاقا زى اثبات الشئ ونفية، اما الممكن فمقدور علية مثل حالة المعجزات. لكن فى الحقيقة ابن رشد انهى الجدل حول ظاهرة السببية، وشاف ان المتكلمون اخطأوا لما جدلوا ان المادة قابلة للتحول دفعة واحدة لصور بعضها البعض، زى ما الغزالى جادل، وان الاصح ان الاجسام المركبة من مواد مختلفة تقبل صور بعضها لكن لا يجوز تحولها دفعة واحدة! لان حكمة الله طبقا لأبن رشد تقتضى  بعدم اجتماع المقابلات وبعدم افتراق المناسبات، ودى سنة الله فى الخلق طبقا للنص القرآنى “ولن تجد لسنة الله تبديلاً” ومن هنا اقتضت حكمة الله وجود العقل فى الانسان لأدراك سنتة فى الكون! أوائل المتكلمين العرب زى النظام والجاحظ اعتقدوا  نظام الكمون والتوالد اللى منطقها طبيعى علمى، فالاجسام تتولد عن بعضها البعض ولاتحتاج الى تدخل من الله، فالنار مثلا كامنة فى الكائن وقبل خروجها كانت بتمنعها الرطوبة، والاحتراق ليس الا ظهور النار عند زوال المانع فقط، ولو لم يحتوى الجسم على النار من البداية لأستحال احتراقة! طبعا مش محتاج اقولك ايه كان موقف الامام الغزالى من السببية الطبيعية .. بالظبط النفى القاطع! لان ما فيش فاعل غير الله، وفكرة ان الكائنات والاجسام من الجائز انها تولد من بعضها البعض معناة انها وجدت دون ارادة الله وبالتالى انتفت ضروة وجودة (على الاقل من وجهة نظر الغزالى) … لكن النظام والجاحظ جادلوا ان الكمون بيدل عل وجود الطبائع فى الاجسام اللى احتاجت الخالق او الله لوضعها فى الكائنات فى المقام الاول، طبيعة النار التسخين، وطبيعة الثلج التبريد، كلها طبائع فترها الله فى الكائنات .. النظام بيقول فى احدى رسائلة “ان ما حدث فى غير حيز الانسان فهو فعل الله سبحانة بايجاب خلقة للشئ، كذهاب الحجر عند دفعة الدافع، وكذلك الادراك من فعل الله سبحانة بايجاب الخلقة، ومعنى ذلك ان الله سبحانة طبع الحجر طبعا اذا دفعة دافع أن يذهب، وكذلك سائر الاشياء المتولدة!” …  مافيش شك ان كلا من الغزالى وابن رشد عقول نجيبة انتجتها الحضارة الاسلامية فى مراحل مضيئة منها. وكلا منهم حاول قدر استطاعتة التوفيق ما بين المنطق، الحجة وروح الدين الاسلامى. لكن مافيش شك ان موقف ابن رشد كان بيعبر اكثر عن فلسفة أرسطو الاغريقية اللى قسمت الكائنات والموجودات لأنواع وفصائل ذات خواص وأعراض وماهيات ثابتة، ووضعت للكون نظام سرمدى غير قابل للتغير، اما الامام الغزالى فموقفة كان اقرب لروح الدين الاسلامى اللى فيه مشيئة الله نافذة وقدرتة مطلقة تتعالى فوق اى نظام وضعة، واى فلسفة تحد من قدرة الله وحريتة فى مخلوقاتة يؤدى اى انكار المعجزات اللى بتعتبر دعامة اساسية للدين الاسلامى خاصة والاديان بشكل عام.

مسألة أزلية الوجود

موقف فلاسفة الاسلام من أشكالية الزمن ووضع الوقت بالنسبة للزمان كان ملئ بالحيرة والتردد، ده لان المعلم الاول ارسطو شاف ان الكون متناة فى المكان لانه جسم والجسم له حدود هندسية وجغرافية بالضرورة، لكنه غير متناة فى الزمان اى ان وجودة بيتمد ازل الوجود نفسة! لان الزمان عند ارسطو هو مقدار الحركة والحركة قديمة، فلو فرض ان هناك زمان لم تكن فية حركة لابد ان لاتكون حركة ابدا! الرأى اللى بيتناقض مع النص القرآنى اللى نص على ان الكون حادث خلقة، خلقة الله من عدم! التناقض وضع فلاسفة الاسلام فى موقف صعب حائرين بين تأييد أرسطو معلمهم الاول او قبول النص القرآنى بدون تأوييل، فكان موقفهم توفيقى فى معظم الحالات. فيلسوف العرب الاول الكندى فى “رسالة فى وحدانية الله وتناهى جرم العالم، من كتابة الرسائل” كان أجرأ فلاسفة الاسلام فى اعلان رأية فى المشكلة وجزم بان الكون متناهى الجرم، والحركة، وان الكون حادث لان حركتة متناهية! اما الفرابى فى “رسالة الدعاوى القلبية، من كتابة الرسائل” ذهب الى ان الكون حادث لكن مش بنفس الصورة اللى تصورها الكندى من ناحية انه كان فية زمان لم يخلق فيه الله الكون ثم خلقة بعد كده، لكن وجود العالم حادث بعد وجود الله بالذات، وجادل بقولة “ان الكل ليس له بدء زمانى” بمعنى ان الكون اجزاءى لم تتكون على دفعات فسبق بعضها البعض فى الزمان، لكنه اتكون مرة واحدة، وعن حركة الكون نتج الزمان. مش بس كده المعلم التانى ذهب اللى ابعد من كده فى محاولة للدفاع عن ارسطو وسرد اقوال عدة للمعلم الاول بتدل على ان الله ابدع الهيولى او مادة الكون من لاشئ فى حين ان كتير من اهل المذاهب والملل بقرائة نصوصهم الدينية يروا ان الكون حدث من شئ، اما افلاطون وارسطو ذهبا لان الله خلق الكون من لاشئ، وان مصيرة الى لاشئ. لكن فى الحقيقة النصوص اللى اعتمد عليها الفرابى فى نسب الاقوال دى لأرسطو مشكوك فى صحتها، ونسبت خطأ للمعلم الاول. لكن ابن سينا فى “قسم الشفاء، من علمة الخالد الشفاء” جادل ان أرسطو اعتقد فعلا فى قدم الكون وقدم ادلة عقلية على صحة رأى ارسطو، اولها ان الشئ واجب الوجود لايجوز ان تحدث له حالة جديدة او يتغيير، ثانيا ان العلة توجب المعلول فاذا ما دامت اوجبت المعلول دائما، وبتطبيق المبدأين دول على الكون من المستحيل ان الكون يكون حادث لان العلة الفاعلة اللى ادت لوجود الكون لو لم ينتج عنها شئ فى وقت من الاوقات لن ينتج عنها شئ ابدا. ثالثا ابن سينا جادل ان كون الشئ حدث بعد شئ اخر مش معنى كده ان الفاصل دائما هيكون زمانى بينهم، الفاصل قد يكون بعد مكانى، الاشارة هنا طبعا للموجود الاول الله والكون، قد يكون التتابع الوجودى هنا مكانى وليس زمانى اى ان العالم قديم قدم الازل، وأخيرا ابن سينا قال ان الزمان هو مقياس للحركة، والحركة تقتضى جسم متحرك، وبالتالى فى حالة الكون لايمكن ان يوجد الزمان من الاساس بدون كون وعالم متحرك، وبالتالى يستحيل تقدم الله على العالم بالزمان، لان الزمان يستحيل وجودة بالاساس بدون الكون المتحرك! ابن سينا وغيرة من فلاسفة الاسلام اقروا بوحدانية الله وبقدم الكون وازليتة فى نفس الوقت. أما حجة الاسلام الامام الغزالى مافرقش مابين اراء فلاسفة الاسلام المختلفة فى موضوع قدم الكون ووضعهم كلهم فى سلة واحدة تحت راية ابن سينا ورد على حججهم بالقول فى قدم الكون فى عملة الاهم “تهافت الفلاسفة” لكن حكيم قرطية ابن رشد ماعجبتوش حملة هجوم الغزالى على فلاسفة الاسلام فشن حملة دفاع عنهم وانبرى للرد على حجج الغزالى فى كتابية “تهافت التهافت” و “فصل المقال” ودخل فى جدل قوى مع حجة الاسلام لاثبات طبقا له ان حجج الغزالى ماهى اكثر من أقوايل خطابية وجدلية!(فى الواقع لو كان الامر بأيدى كنت أقرتِ حوار الغزالى وابن رشد على طلبة المدارس فى الوطن العربى كله علشان يكون نموذج انتصارا للروح العلمية وتأسيس لأخلاقيات الحوار!) على اى حال النقاش البديع ده بدأ بالحجة الاولى على قدم العالم اللى طرحها ابن سينا وبتقول “باستحالة صدور حادث عن قديم” بمعنى مستحيل ان شئ غير قديم او ازلى يصدر عم العلة الاولى (الله) لان الفاصل الزمنى قبل حدوث العالم ده معناة انه كان فى طور الاستحالة ثم اصبح ممكن، وده شئ غير جائز لان امكانية حدوث العالم قديمة، او ان الفاصل الزمنى كان سببة اما عدم قدرة او استطاعة العلة الاولى على احداث الكون فى تلك المرحلة الزمنية وده امر غير جائز لان قدرة وارادة العلة الاولى قديمة وغير متغيرة، وأخيرا ان صح التأخر الزمنى فى وجود الكون لماذا اختار الله وقت لاحق ليوجد فيه العالم؟ هل ده راجع لتفضيلة ذلك الوقت عن غيرة؟ حجة الاسلام الغزالى شاف ان مافيش استحالة فى صدور حادث عن قديم ورد على الحجة الاولى باعتراضين: الاول هو ان ارادة الله بحدوث العالم ازلية ولكنه اراد حدوث فى توقيت محدد، فوجد الكون فى ذلك التوقيت المحدد، وسيستمر الى العدم الى الغاية اللى وضعها الله له، وتساؤل ايه المانع فى كده؟ وايه اللى خلى الامر ده مستحيل؟ .. حكيم قرطبة ابن رشد انتقد الفلاسفة والغزالى وشاف ان حجة الفلسفة فى اعلى مراتب الجدل لكنها مش فى مرتبة البرهان، وان رد الغزالى غير صحيح لانه لم يستطع ان يقول بجواز تراخى المفعول او الكون الحادث عن الفاعل الله، فارجأ التراخى فى الحدوث لارداة الله، كمان اشار ابن رشد للمطب اللى وقع فيه الغزالى لما استخدم تعير “ارادلة ازلية حادثة” لانه جمع التضاد فى نفس التعبير وده امر مستحيل، الارادة هى شوق الفاعل الى فعل ان تم كف الشوق وحصل المراد، ام الارداة الازلية لاتزول بحدوث المراد! الفلاسفة ردوا على الغزالى قائلين انه اعتراضة مستحيل لان الحادث اما امر واجب او امر مسبب، ولو تمت شروط ايجاب واسباب الحدث لابد من حدوثة، الغزالى رد عليهم وقال تشبيهة الفلاسفة ارادة الله بالانسان امر باطل وان كانت حجة الفلاسفة ان استحالة ان الارادة القديمة تحدث شئ متقدم حجة عقلية اذن اين الدليل العقلى عليها؟ اما لو كانت حجة ضرورية لماذا اختلف اخرون معهم فيها؟! الامر اللى شاف ابن رشد انه ركاكة فى الاقناع لان دعوى الغزالى ان كل المعرفة الاولية او الضرورية لابد وان يعترف بيها كل الناس، وده امر غير صحيح! لكن حجة الاسلام الامام الغزالى ما سكتش وانتقل للهجوم على الفلاسفة وقال، ان قدم الكون مستحيل لانه هيؤدى الى دورات فلكية لا نهاية او حصر لها! ده غير انه هيؤدى الى عدم التمييز بين عدد دورات الافلاك مختلفة السرعة، لان لو عدد دورات الافلاك متناهى اذن عدد دورات زحل مثلا هيكون مثل عدد دورات الشمس، ومعرفتا علماء المسلمين فى الوقت ده بتنافى الفرضية دى لانهم كانوا عارفين ان زحل بيدور دورة فلكية واحدة كل 30 سنة فى حين ان الشمس بتدور مرة واحدة فقط! فلاسفة الاسلام ردوا بانهم بيجيزوا وجوب اسباب لانهاية لها لانه يلزم وجود مسبب بدون سبب ومتحرك بدون محرك! ولما ان الله المحرك الازلى لا بداية او نهاية لوجودة، لابد ان فعلة غير متراخ او متأخر عن وجودة، ولايجوز ان واحد من افعالة الاولى شرط فى وجود الثانية! كمان جادلوا ان لو الارادة القديمة تحدث الكون فى وقت معين زى ما جادل الغزالى لابد ان هذة الارادة تحتاج الى مخصص او علة فى وقت عن الاخر حتى يتم الاختيار بينها، لان الارادة صفة من شأنها تمييز الشئ عن مثلة! الغزالى وافق ان الارادة فعلا صفة بتمييز الشئ عن مثلة لكن مش دائما لابد من وجود مخصص او مرجح او علة تميز احد الشيئين عن الاخر! وضرب مثال رجل متشوف لثمرتين وقدامة ثمرتان متساويتين تماما، ومايقدرش ياخد الا واحدة فقط، فبالتالى هياخد واحدة فقط، اى انه خصص شئ عن الاخر بدون وجود مرجح، وبنفس القياس الله خصص زمن عن اخر لأيجاد الكون لكن الازمنة كلها متساوية قبل ظهور الاحداث فيها وبالتالى لاحاجة لمرجح! .. ابن رشد شاف ان الغزالى وقع فى خطأ كبير بقياس ارادة الله على ارادة الانسان، وانتقد مثال الثمرتين اللى طرحة الغزالى لانه قال ان الاختيار هنا اختيار الشئ بدل من الشئ الاخر وليس ايثار شئ عن الاخر هو ارداة اخذ شئ واحد بدل من الاتنين وليس ارادة اخد شئ بدل من شئ اخر، وبالشكل ده لاتستقيم الحجة!

الحجة الثانية اللى قدمها الفلاسفة على قدم الكون هى “أستحالة تقدم الله على العالم بالزمان” .. يستحيل تقدم الله على العالم بالزمان لان الزمان مقدار الحركة، والحركة تحتاج الى متحرك كى توجد، ولايمكن تصور زمان بدون حركة ومتحرك، لو كل شئ ساكن ومافيش اى نوع من التغيير .. ايه هو معنى الزمن فى الحالة دى؟! لكن الله متقدم على العالم بمعنى اخر غير الزمان وهو الذات، الرأى ده زى ما قلنا قبل كده طرحة الفرابى وضرب مثال التقدم ده زى تقدم حركة الشخص على ظلة او حركة ايدك على الساعة اللى فيها، التقدم هنا مش زمنى لان تقريبا فى مساوة فى الزمن فى الحركة دى! .. الامام الغزالى رد ان الزمان حادث مخلوق ومافيش قبلة زمان من الاصل، وقولة بحدوث العالم (اى تأخر حدوث العالم عن الله) معناة ببساطة انفراد الله قبل الوجود، واللفظ اللغوى كان الله ولا عيسى ثم كان وعيسى لم يتضمن اللفظ الا وجود ذات وعدم ذات ثم وجود الذاتين الله وعيسى، وليس من الضرورة فى ذلك وجود شئ ثالث هو الزمان! .. ابن رشد ماعجبوش رأى الفلاسفة السابقين له ولا رأى الغزالى وجادل ان المنطق بيقول ان فى نوعين من الوجود، وجود متحرك لايمكن فصلة عن الزمان بندركة بحسنا وعقلنا، ووجود ليس من طبيعتة الحركة النوع ده من الوجود ازلى لا يتصف بالزمان، نصل له لا بالمنطق لكن بالضرورة لان كل حركة بتمر بسلسلة من المحركات لحد ما توصل فى النهاية الى محرك اول غير متحرك اصلا والا سلسلة المحركين هتمتد الى مالانهاية بدون توقف! ابن رشد اعتقد ان الله غير متقدم على العالم لا بالزمان ولا بالذات وان الفلاسفة السابقين اخطأوا لقلة تحصيلهم العلم القديم (أى علم فلاسفة الاغريق) وان التقدم ده لا بالزمن ولا تقدم العلة على المعلول اللى هما من طبيعة الموجود المتحرك زى ما الغزالى جادل فى مثال تقدم الشخص على ظلة. المفهوم من فلسفة ابن رشد عن كتير من الدارسين انه اعتقد فى نفس المبدأ اللى اعتقد فيه أرسطو وهو قدم الحركة والمحرك اى الله! .. الفلاسفة انتقدوا رد الغزالى لما قال كان الله ولاعالم ثم كان ومعة عالم ، او لما قال كان الله ولا عيسى ثم كان ومعة عيسى، لان القول ده هو اشارة للماضى لأستخدامة كان، والماضى هو زمان، والزمان يحتاج الى حركة، والحركة تحتاج الى محرك! .. الغزالى رد بان تقدير الزمان من عمل الوهم والخيال، فلما عجز الخيال عن تقدير ان تناهى الكون فتوهم ان وراء العالم مكانا، وبنفس الصوره العقل عاجز عن تقدير الحركة بدون زمان فيظن ان قبل العالم كان فى زمان، والحجة قامت على منع اثبات بعد مكانى وراء العالم بنفس الدليل نقدر نثبت عدم وجود بعد زمانى بعد العالم! .. ابن رشد ماعجبوش كلام الغزالى وشاف انه اخطأ لما سوا بين البعد المكانى والبعد الزمانى، وجادل ان الخلاء مجرد وهم لكن الزمان حقيقى( الامر اللى العلم الحديث على الاقل فى الوقت الحالى اثبت عدم دقتة وان الخلاء له وجود وكتلتة بتمثل معظم الكون) .. واعتقد ابن رشد ان الماضى والمستقبل مالهمش وجود فى الواقع، الوجود الحقيقى هو وجود الحاضى فقط   وسبق بفكرتة دى فلاسفة نظرية الوقت الحضورية (أرجع لحلقة أشكالية الوقت). على اى حال ابن رشد خلص لان الزمان قديم وبالتالى فالعالم حادث، وضرب دليل أرسطو ان “الأن” هو نهاية ماض وبداية مستقبل، مافيش لحظة حاضر بدون ماضى قبلها، من المستحيل حتى التفكير فيه، او زى ما قال ابن رشد ” لكل قبل قبل، وكل زمان مسبوق بزمان الى ملا اول له” فالزمان قديم والعالم قديم! .. الحجة الثالثة اللى قدمها الفلاسفة على قدم العالم هى ان “العالم كان ممكن قبل وجودة” .. لان من المستحيل ان يكون ممتنع الوجود ثم يصبح ممكن الوجود! اذن امكانية وجود العالم ازلية، لابداية لها، كان العالم ابدا ودائما ممكن الوجود، اذن من المستحيل اننا نجد حالة نصف فيها العالم بأنة مستحيل الوجود! وطالما ان امكانية وجود العالم لم تزل وكانت دائما ابدا موجوده اى قديمة، اذن بالمنطق العالم نفسة لم يزل ابدا وكان دائما موجود! … يعنى علشان تقدر تقول مافيش طيارة لابد وان يكون فى وجود للطيارة من الاصل او امكان لوجودها علشان تكون الجملة منطقية! .. لكن الغزالى رد، انه ده امر غير صحيح وان الامكان لايقتضى وجود الكائن! .. اما ابن رشد، فرجع لحجة ارسطو وقال ان الامكان فى الامور الازلية ضرورى، لو كان قبل العالم امكان اذن لابد ان العالم ازلى، وبالشكل ده انتصر ابن رشد لحجة الفلاسفة على الغزالى! الحجة الرابعة والاخيرة اللى ساقها الفلاسفة على قدم العالم هى ان مادة العالم أزلية، وجادلوا ان كل شئ حادث لابد من وجود مادة تسبقة بدونها لايمكن وجودة، المادة نفسها غير حادثة، واللى احتاجت الى مادة اخرى تسبقها تُحدثها وهكذا فى سلسلة ابدية الى مالانهاية، اذن لابد ان العالم ازلى! .. فاعترض الغزالى، وقال ان الامكان مسألة عقلية، كل ماقدر العقل وجودة ولم يمتنع سميناة ممكن، ولو امتنع اطلقنا علية مستحيل، ولو ما قدرش عقلنا ادراك عدمة او عدم وجودة اطلقناة علية واجب الوجود، المفاهيم دى كلها عقلية ومش محتاجة الى موجود علشان يكون وجودها، لو احتاج الامكان لوجود شئ لاحتاج الامتناع لوجود شئ! .. ابن رشد زى ما انت اكيد متوقع اخد صف الفلاسفة السابقين وجادل ان اى ممكن محتاج لمادة ذات وجود، وان الغزالى لم يجانبة الصواب لما قال ان الممتنع لا يستدعى موضوعا! والفلاسفة رفضوا رد الغزالى وشافوا ان رد الامكان الى قضاء وتقدير العقل محال، وان تقدير العقل ما هو الا ادراك وعلم بالامور، لان الاقتناع بامر ما مجرد وصف اضافى يستدعى موجود يضاف اليه، فمثلا الطائرة كونها ممكنة مش لان العقل ادرك انها ممكنة لكن امكانها جائز وممكن التجسد وله هيئة فى جسم! .. لكن الغزالى اصر على رأية بان الامكان، الوجوب والامتناع قضايا عقلية، وان ادعاء الفلاسفة بان العلم يستدعى معلوم خارج العقل امر غير صحيح والدليل من وجهة نظرة هو المسلمات المجردة مثل اللون، الاخلاق، الصفات،الخ كلها موجودة فى العقل لكن مالهاش وجود مجسد فى العالم الخارجى، والعقل بيشوف سماتها وصفاتها فى العالم الخارجى فيجردها وينسبها اللى المسلمة الموجودة فيه .. مثلا لما بتشوف شخص كريم انت لمست صفة الكرم لكنك ماشفتش الكرم او لمستة او حسيتة، لكن عقلك ادرك وجود الكرم من خلال التعرف على صفتة فى الشخص! .. الحقيقة الامام الغزالى بطرحة ده دون ان يدرى بيعتبر رائد من رواد المدرسة الاسمانية الحديثة Nominalism اللى نادى بيها بركلى ورواد المدرسة التجريبية والطبيعية فى العصر الحديث (أرجع لحلقة كهف أفلاطون) ..

فى الحقيقة ابن رشد عرض فى كتابة “تهافت التهافت” اراء فلاسفة الاسلام السابقين علية الكندى، الفاربى، وابن سينا .. واقوال الامام الغزالى كممثل للمتكلمين الاشاعرة حول مسألة قدم العالم، ونصب نفسه حكم بين الطرفين، احيانا يؤيد الفلاسفة واحيانا يؤيد الغزالى، واحيانا يعارضهم كلهم ويرجع لرأى المعلم الاول ارسطو فى المسألة، لكنه ما افصحش عن رأية بوضوح الى ان نشر كتابة “فصل المقام” اللى اعتقد انه وصل فيه لتكوين راية وحزم راية من الخلاف، وشاف فيه ان الاختلاف راجع الى التسمية، وان الفلاسفة والمتكلمين بما فيهم الغزالى اتفقوا على ان فى ثلاث اصناف من الموجودات طرفين وواسطة، اتفقوا فى تسمية الطرفين واختلفوا فى تسمية الواسطة، الطرف الاول هو الله الذى لم يوجد عن شئ ولا من شئ وليس له علة اوجدنة ولامادة تكون منها، ولم يسبقة زمان، وهو فاعل كل شئ ومُدرك بالمنطق والبرهان، واتفق الكل على تسميتة قديماً ازلى، الطرف الثانى موجود وجد بسبب ومن مادة وسبقة وجود زمان، وده شامل كل الكائنات الموجودة فى الواقع المدركة بحواسنا زى الشمس، الهواء، الحيوان الخ .. والكل اتفق على تسميتة محدثاً. اما الموجود الثالث بين هذين الطرفين او الواسطة زى ما اشار ابن رشد، لم يوجد من مادة سابقة له، ولكن وجد من علة سابقة وهى الله، وما سبقوش زمان، الموجود ده هو الكون او العالم بأسرة، او بمصطلح اخر هو الوجود .. العالم او الوجود ده أرسطو وفلاسفة الاغريق جادلو انه متناهى فى الزمان والمكان، والمتكلمون جادلوا انه متناهى فى الزمان الماضى، لكن الحق من وجهة نظر حكيم قرطبة هو انه وسيط اخذ شبها من الوجود الكائن الحادث، ومن الوجود القديم، فاللى شاف فيه المحدث غالب على القديم سماة محدث، واللى شاف فية القديم غالب على المحدث اطلق علية قديم، لكن هو فى الحقيقة لا محدث حقيقى ولا قديم حقيقى، لان المحدث الحقيقى فاسد بالضرورة(اى زائل) ، والقديم الحقيقى لا علة له مثل الله! وادعى ابن رشد ان الشرع بيؤيد حجتة، فآيات القران المتعلقة بايجاد العالم بتقر ان صورتة محدثة وان نفس الوجود غير متناة فى الزمان، فالاية القرانية فى سورة هود 7 بتقول (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) اللى بيفيد ان كان فى وجود قبل هذا الوجود وهو العرش والماء وزمان قبل هذا الزمان غير مقترن بصورة الوجود اللى احنا عارفينة. واية سورة ابراهيم 48 (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) بتفيد ان فى وجود تانى بعد هذا الوجود!

مشكلة الوجود أصيلة فى الفلسفة الاسلامية، وبترجع جذورها لبدايات علم الكلام، السؤال المطروح كان ما هو مصدر الوجود؟ هل القوة الفاعلة او المسببة للكون داخلية نابعة منه، ام خارجة عنه؟! الاجماع الغالب ما بين المفكرين والفلاسفة العرب ان الوجود علتة خارجة عنة، وهى المسبب الاول الله. النهج المخالف للرؤية الارسطوطالية اللى بتقول ان العالم قديماً و غير مخلوق، وان الله مجرد محرك للكون تجاة غاية وهدف. أو الرؤية الافلاطونية اللى شافت ان الله منظم للكون لكنه ليس المسبب الاول للوجود لان مادة الوجود قديمة الازل. المتكلمين العرب الاوائل جادلوا ان علة الوجود لابد وانها تكون خارجة عنة لان من غير المنطقى ان الكائنات الموجودة فى الطبيعة بما فيها الجماد، الحيوان، والنبات من المستحيل انها تكون خالقة لذواتها، والمادة المكونة للكائنات غير عاقلة وبالتالى لايمكن ان تخلق كائنات عقلة، الموقف النابع بكل تأكيد من عقيدة الدين الاسلامى اللى بتتبنى مفهوم المسبب الاول وهو الله مسبب وخالق كل شئ. الفلاسفة المسلمين قسموا الكائنات اللى واجبة الوجود لافصال او ترجيح فى وجودها، وكائنات ممكنة الوجود وجودها يحتمل الترجيح او الامكان، ومستحيلة الوجود وجودها غير جائز! واعتبروا ان الكون كائن ممكن الوجود، ترجيح وجودة سبب بكائن اخر، المرجح لايجوز ان يكون كائن ممكن الوجود هو الاخر، والا هيحتاج مسبب مرجح هو كمان، وهكذا فى سلسلة غير منتهية من الكائنات الممكنة الوجود، الامر اللى اعتبرة فلاسفة العرب الاوائل مستحيل، وان لابد من وجود كائن واجب الوجود فى نهاية سلسلة العلل الممكنة المرجحة، المسبب واجب الوجود هو الله فى الاعتقاد الاسلامى. الحجة العقلية دى دفع بيها الفرابى ومن بعدة ابن سينا فى محاولة للبرهنة على ان الوجود علتة خارجة علية. الفرابى وابن سينا ميزوا ما بين الكون والله وفصلوا ما بينهم وهى نفس الفكرة اللى تبناها كتير من فلاسفة اليونان زى أرسطو وأفلاطون. شيخ المتصوفة الاكبر محي الدين ابن عربى فى عملة الخالد “فصوص الحكم” تأمل فى مفهوم الحلولية، وان الله موجود فى كل مظهر من مظاهر الكون او مفهوم وحدة الوجود اللى فيه بيزول الحد الفاصل بين المسبب الاول والوجود، الامر اللى دفع شيخ الاسلام ابن تيمية يصدر فتوى يكفر فيها ابن عربى وماورد فى فصوص الحكم من قول باطن وظاهر! (لكن ده موضوع لحلقة تانية).

الحوار اللى بدأنا بيه الحلقة خيالى قائم على الحجج والردود اللى اوردها حجة الاسلام الامام الغزالى فى كتابة الاهم “تهافت الفلاسفة” وردود حكيم قرطبة القاضى ابن رشد فى كتابية “تهافت التهافت” و “فصل المقال” .. اراء الامام الغزالى اثرت لعقود طويلة فى عقل ووجدان المجتمع الاسلامى دون ان يتمكن احد من مفكرى وفلاسفة الاسلام الرد على كتابة الى ان جاء القاضى او الوليد ابن رشد فرد على المسائل العشرين اللى اوردها الغزالى فى “تهافت التهافت” .. وراجع حجج الغزالى وابطل تهمة التكفير اللى اطلقها الغزالى بحق الفرابى وابن سينا، ورغم انه ايد الامام الغزالى فى حالات قليلة الا ان مهاجمتة له كانت اشد ووصفة بضعف الحجة وركاكة الاقناع. وبالرغم من الامام الغزالى نفسة انتقد الفلاسفة بشدة ولم يحب اقوالهم، الا انه نفسة بيعد فى كثير من نظرياتة الاجتماعية والتربوية والنفسية صاحب فلسفة متميزة، يكاد يكون بيها الاقرب لتمثيل روح فلسفة الاسلام، وبالرغم من حربة القوية للفلسفة ورجالها، الا انه تأثر بيها تأثر ملحوظ وصاغ حججة وبراهينة على نهج الفلاسفة وقوانين المنطق والبرهان، من خلال الحوار التخيلى ده حوالت اعرض لك حجة الطرفين فى مسألة ألزلية الوجود وقدم العالم، اللى كانت محل اهتمام وجدل العقل الجمعى الاسلامى فى عقود خلت. حكيم قرطبة سلم مسلك موضوعى عن النظر فى اراء الفلاسفة السابقين علية سواء اراء الاشعرية امثال الامام الغزالى او الفلاسفة المسلمين زى الفرابى وابن سينا، فما رفضش كل اللى قالوة وقبلش كل اقوالهم، وقال فى كتابة فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” (عند الرجوع إلى كتب السلف، ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه ، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرناهم منه وعذرناهم).

427194_10200323522749276_1544252053_n1.jpg

ودلوقتى .. بص حواليك، تأمل العالم المحيط بيك .. يا ترى ايه هو مصدر الوجود؟ .. هل وجود الكون امر حادث؟ سببة موجود اخر غير مسبب، وغير متحرك؟ .. ولا الكون كان و سيظل ازلى الوجود؟ قديم فى قدمة قدم الموجود الاول؟  .. ولو فعلا الكون حادث مخلوق، ايه هى طبيعة الوجود قبل ايجادة؟ .. هل كان فى وجود للزمن؟ .. لكن ايه معنى الزمن بدون كون وحركة؟ .. فكر تانى.

Download MP3:

فى الحلقة الجاية ..  هنسافر فى رحلة فلسفية للبحث عن الحق والحقيقة، فى جولة أخيرة من جولات الوجود وماوراء الطبيعة .. عن  النظرية الشمولية، النظرية القصووية، أشكالية التقييد، صانع الحقيقة، وطبيعة الحقيقة .. هنتفلسف الحلقة الجاية

 

من دلوقتى للحلقة الجاية

عيش الحياة بفلسفة

زود معلوماتك:

الفلسفة العربية :مشكلات وحلول

http://goo.gl/MjreWC

Islamic Philosophy from Its Origin to the Present: Philosophy in the Land of Prophecy

https://goo.gl/QySQ5b

Metaphysics: An Introduction – Alyssa Ney

https://goo.gl/zUdICR

Peter van Inwagen – Metaphysics

https://goo.gl/onc9Va

فلسفة ماوراء الطبيعة  Metaphysics

http://en.wikipedia.org/wiki/Metaphysics

علم الوجود  Ontology

http://en.wikipedia.org/wiki/Ontology

الفلسفة الاسلامية Islamic Philosophy

https://en.wikipedia.org/wiki/Islamic_philosophy

علم الكلام Kalam

https://en.wikipedia.org/wiki/Kalam

أبو حامد الغزالي Al-Ghazali

https://en.wikipedia.org/wiki/Al-Ghazali

تهافت الفلاسفة  The Incoherence of the Philosophers

https://en.wikipedia.org/wiki/The_Incoherence_of_the_Philosophers

ابن رشد Averroes

https://en.wikipedia.org/wiki/Averroes

تهافت التهافت The Incoherence of the Incoherence

https://en.wikipedia.org/wiki/The_Incoherence_of_the_Incoherence

ارسطو Aristotle

https://en.wikipedia.org/wiki/Aristotle

أفلاطون Plato

https://en.wikipedia.org/wiki/Plato

الفرابى Al-Farabi

https://en.wikipedia.org/wiki/Al-Farabi

ابن سينا Avicenna

https://en.wikipedia.org/wiki/Avicenna

کتاب الشفاء  The Book of Healing

https://en.wikipedia.org/wiki/The_Book_of_Healing

فخر الدين الرازى Fakhr al-Din al-Razi

https://en.wikipedia.org/wiki/Fakhr_al-Din_al-Razi

شهاب الدين السهروردى Shahab al-Din Suhrawardi

https://en.wikipedia.org/wiki/Shahab_al-Din_Yahya_ibn_Habash_Suhrawardi

نصر الدين الطوسى Nasir al-Din al-Tusi

https://en.wikipedia.org/wiki/Nasir_al-Din_al-Tusi

صدر الدين الشيرازى “ملا صدرا” Mulla Sadra

https://en.wikipedia.org/wiki/Mulla_Sadra

الحکمه المتعالیه فی الاسفار العقلیه الاربعه  Hikmat Al Muta’alyah

https://en.wikipedia.org/wiki/Hikmat_Al_Muta%27alyah(book)

نظرية الفيض الافلاطونية Emanationism

https://en.wikipedia.org/wiki/Emanationism

الفيلسوف المصرى أفلوطين Plotinus

https://en.wikipedia.org/wiki/Plotinus

فيلسوف الاسلام الاول الكندى Al-Kindi

https://en.wikipedia.org/wiki/Al-Kindi

كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة On the Perfect State

https://goo.gl/RYDVls

ابراهيم النظام Ibrahim an-Nazzam

https://en.wikipedia.org/wiki/Ibrahim_an-Nazzam

الجاحظ Al-Jahiz

https://en.wikipedia.org/wiki/Al-Jahiz

فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال

https://goo.gl/KAIAUG

المدرسة الاسمانية الحديثة Nominalism

https://en.wikipedia.org/wiki/Nominalism

محي الدين ابن عربى Ibn Arabi

https://en.wikipedia.org/wiki/Ibn_Arabi

فصوص الحكمة

https://goo.gl/3Qp1M3

ابن تيمية Ibn Taymiyyah

https://en.wikipedia.org/wiki/Ibn_Taymiyyah

كتدرائية جامع قرطبة Mosque–Cathedral of Córdoba

https://goo.gl/5u8ECt

Al-Ghazali and Averroes: Islamic Nominalism vs. Islamic Realism

http://www.bahaistudies.net/asma/al-ghazali.pdf

Music Credits

==============

Naseer Shamma – Happened at All: Amiriyaa

https://youtu.be/Y_gfmnjrzbE

Ensemble Ibn Arabi – JE T´AIME DE DEUX AMOURS (My Love for You Is Twofold)

https://youtu.be/HyZBL7Ykfjg

Naseer Shamma – Ibrahim

https://youtu.be/No8_h0rUMvQ

Naseer Shamma – Ard as-Sawad (The Black Land)

https://youtu.be/McMtc4_JsCc

Mawlawiyah Music of the Whirling Dervishes – Nay taksim (Improvisation)

https://www.youtube.com/watch?v=tZ5A1DUXj_c

Said Chraibi – Al -‘Ashiq/L’Amant

https://youtu.be/B0IJ0yB0pt4

Munir Bachir. Maqamat. Llaüt iraquià. Música sufi.

https://youtu.be/jwqc0VrMQtE

Said Chraibi – Andaloussiyyat

https://youtu.be/7gyw5_tGqzo

Al-Qahirah, Classical Music of Cairo, Egypt – ‘Ud Solo (An improvisation)

https://youtu.be/tnz3UjTY1GU

للتواصل ومتابعة باقى الحلقات تابعونا على:

https://www.facebook.com/KalamFalsfa

https://kalamfalsfa.wordpress.com

https://plus.google.com/u/0/+KalamFalsfa

https://twitter.com/kalamfalsfa

https://archive.org/details/@kalamfalsfa

 

One thought on “EP34: The Problem of Existence in Islamic Philosophy أشكالية الوجود فى الفلسفة الاسلامية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s